علي بن يوسف القفطي
85
إنباه الرواة على أنباه النحاة
فاقتضى ذاك خشن الملبوس والمأكل ، والزهد في ملاذّ الدنيا . وكان الذي يحصل له في السنة مقدار ثلاثين دينارا ، قدّر منها لمن يخدمه النّصف ، وأبقى النّصف الآخر لمؤونته ؛ فكان أكله العدس إذا أكل مطبوخا ، وحلاوته التّين ، ولباسه خشن الثياب من القطن ، وفرشه من لبّاد في الشتاء ، وحصيره من البرديّ في الصيف ، وترك ما سوى ذلك . ولما عورض في الوقف المذكور بيد بعض نوّاب حلب سافر إلى العراق شاكيا ذلك في سنة تسع وتسعين وثلاثمائة . واشتهر ذكره ببغداذ ، وقرئ عليه كتابه سقط الزّند ، واجتمع بالشريف الرضيّ والمرتضى ، ولدى أبى أحمد ، وشهدا بفضله وفطنته وفرط ذكائه . وحضر خزانة الكتب التي بيد عبد السلام البصريّ ، وعرض عليه أسماءها ، فلم يستغرب فيها شيئا لم يره بدور العلم بطرابلس ، سوى ديوان تيم اللَّات ، فاستعاره منه ، وخرج عن بغداذ ، وقد سها عن إعادته ، ولم يذكره حتى صار بالمعرّة ، فأعاده إليه ، وفى صحبته القصيدة التائية التي أوّلها ( 1 ) : هات الحديث عن الزّوراء أوهيتا * وموقد النار لا تكرى بتكريتا ( 2 ) يقول فيها : أقر السّلام على عبد السّلام فلى * جيد إلى نحوه ما زال ( 3 ) ملفوتا وذكر فيها ديوان تيم اللات فقال :
--> ( 1 ) القصيدة في سقط الزند 1593 . والذي ذكره البطليوسيّ « أن أبا العلاء خاطب بهذه القصيدة أبا القاسم علي بن المحسن القاضي التنوخيّ ، وكان أعطاه جزءا من أشعار تنوخ عند وروده إلى بغداد ، فأعجلت أبا العلاء الحركة ، فدفع الجزء إلى رجل يقال له عبد السلام ، ورغب في أن يحمله إلى أبى القاسم ، ثم خشي عند وصوله إلى المعرة أن يكون عبد السلام قد غفل في رده ، فكتب إلى أبى القاسم بهذا الشعر » . ( 2 ) الزوراء : من أسماء بغداد . وهيت وتكريت من نواحيها . ولا تكرى : لا تخمد . ( 3 ) في الأصل : « ما زلت » ، ورواية السقط : أهدى السلام إلى عبد السلام فما * يزال قلبي إليه الدهر ملفوتا